اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق: قراءة مالية في سوق لم يُقاس بعد
ابحاث حيّز ابحاث حيّز
5 دقيقة قراءة 1015 كلمة

اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق: قراءة مالية في سوق لم يُقاس بعد

اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق لا يمكن قراءته بمنطق الأسواق الناضجة، ولا يمكن اختزاله بعدد المتاجر أو حجم الطلبات فقط. نحن أمام سوق لم يُقَس بعد، ليس لأنه صغير، بل لأنه غير مُنمذج مالي

اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق لا يمكن قراءته بمنطق الأسواق الناضجة، ولا يمكن اختزاله بعدد المتاجر أو حجم الطلبات فقط. نحن أمام سوق لم يُقَس بعد، ليس لأنه صغير، بل لأنه غير مُنمذج ماليًا، غير مُراقب تشغيليًا، وغير مُدار بمنطق المنصات. ما يجري اليوم هو نشاط تجاري رقمي مبعثر، لا اقتصاد تجارة إلكترونية مكتمل.

العراق يمتلك طلبًا حقيقيًا، سيولة نقدية عالية التداول، فجوة توزيع ضخمة، وقاعدة شبابية تتجاوز 60٪ من المجتمع. لكنه يفتقر إلى البنية التي تحول هذا النشاط إلى صناعة: أنظمة، شبكات لوجستية، طبقات تشغيل، ومعايير بيانات. لذلك فإن قراءة الاقتصاد الرقمي العراقي يجب أن تبدأ من التشغيل لا من عدد الصفحات والمتاجر.

مقدمة السوق غير المقاس

السوق العراقي اليوم يشغّل تجارة رقمية دون أن يمتلك اقتصاد تجارة إلكترونية فعلي. الفرق جوهري. التجارة الرقمية تعني بيع عبر فيسبوك أو واتساب أو موقع بسيط. أما اقتصاد التجارة الإلكترونية فيعني منظومة تتكوّن من منصات، شبكات توصيل، أنظمة دفع، طبقات بيانات، معايير تشغيل، ونماذج ربح قابلة للتوسع.

غياب القياس لا يعني غياب السوق، بل يعني أن حجم السوق الحقيقي مخفي داخل آلاف العمليات غير المهيكلة: طلبات بدون تتبع، توصيل بدون مؤشرات أداء، مرتجعات بدون تحليل، ودفع نقدي بلا نمذجة.

ملاحظة

أي رقم يُتداول اليوم عن حجم التجارة الإلكترونية في العراق هو رقم تقديري غير مبني على منظومات قياس وطنية أو منصات مركزية.

السوق العراقي والطلب الحقيقي

الطلب في العراق مدفوع بثلاث قوى مباشرة: ضعف تجربة التجزئة التقليدية، الانتشار السريع للهواتف الذكية، وتغيّر سلوك الشراء لدى الجيل الجديد. هذا خلق سوقًا نشطًا، لكنه غير منظم.

السوق ليس “ناشئًا” بالمعنى الكلاسيكي، بل “مشتغل دون نظام”. آلاف الصفحات والمتاجر تبيع يوميًا. عشرات الآلاف من الطرود تتحرك. ملايين الدنانير تُدفع نقدًا. لكن لا توجد طبقة تنسّق هذا النشاط وتحوّله إلى اقتصاد.

تنبيه

السوق العراقي ليس بحاجة إلى “منصة بيع” إضافية، بل إلى بنية تشغيل تربط ما هو موجود أصلًا.

التحول من البيع الرقمي إلى صناعة

التحول الحقيقي لا يكون بزيادة عدد المتاجر، بل بتحويل النشاط إلى صناعة ذات مؤشرات واضحة. الصناعة تبدأ عندما تصبح العمليات قابلة للقياس والتحسين والأتمتة.

  • هذا التحول يتطلب نقل السوق من:
  • أفراد يبيعون
  • إلى تجار يُشغّلون
  • إلى منصات تُدير
  • إلى اقتصاد يُحلّل
  • ويتطلب إدخال مفاهيم لم تكن موجودة فعليًا:
  • تكلفة الطلب الحقيقية
  • دورة حياة الطلب
  • معدل الإرجاع
  • تكلفة التوصيل الصافية
  • هامش التاجر بعد التشغيل
مهم

بدون هذه المؤشرات، لا يمكن بناء أي نموذج استثماري حقيقي في السوق العراقي.

البنية التحتية الاقتصادية للتجارة الإلكترونية

أي اقتصاد تجارة إلكترونية يتكوّن من أربع طبقات مترابطة:

  • طبقة الطلب: المتاجر، الصفحات، المواقع، التطبيقات.
  • طبقة التشغيل: إدارة الطلبات، المخزون، خدمة العملاء، التحصيل.
  • طبقة اللوجستيات: التخزين، التجهيز، التوصيل، المرتجعات.
  • طبقة المال والبيانات: الدفع، التسويات، التقارير، التحليل.

في العراق، طبقة الطلب موجودة بقوة. طبقة اللوجستيات موجودة جزئيًا. طبقة التشغيل ضعيفة. طبقة المال والبيانات شبه غائبة.

تحذير

أي توسّع في السوق بدون بناء طبقتي التشغيل والبيانات سيضاعف الفوضى لا الأرباح.

اللوجستيات كمحرك اقتصادي لا خدمي

في الأسواق الناضجة، اللوجستيات قطاع خدمي. في العراق، اللوجستيات هي محرك الاقتصاد الرقمي نفسه. لأنها تمثل نقطة الاحتكاك الوحيدة بين البيع الرقمي والواقع.

  • اللوجستيات في العراق ليست مجرد توصيل، بل:
  • إدارة فشل التسليم
  • إدارة المرتجعات النقدية
  • إدارة الثقة مع الزبون
  • إدارة سيولة التاجر

أي خلل لوجستي يتحول مباشرة إلى خسارة مالية، تجميد سيولة، وتآكل ثقة.

من يملك شبكة لوجستية ذكية في العراق لا يملك شركة توصيل، بل يملك صمام الاقتصاد الرقمي.
نصيحة

الاستثمار الحقيقي في العراق اليوم ليس في واجهات المتاجر، بل في شبكات التنفيذ.

البيانات الغائبة وأثرها المالي

  • غياب البيانات هو أكبر سبب في كون السوق “غير مقاس”. لا توجد اليوم قاعدة وطنية أو منصات جامعة تستطيع أن تقول:
  • كم طلبًا فُتح اليوم في العراق؟
  • كم نسبة النجاح؟
  • كم نسبة الإرجاع؟
  • كم كلفة الطلب الصافية؟
  • بدون هذه البيانات:
  • لا يمكن تسعير الخدمات بدقة
  • لا يمكن بناء نماذج ربح حقيقية
  • لا يمكن إقناع مستثمر ذكي
  • لا يمكن حماية تاجر من خسارة غير مرئية
ملاحظة

أخطر خسائر السوق العراقي ليست خسائر المال، بل خسائر غير مرئية بسبب غياب القياس.

نماذج الربح الواقعية في العراق

نموذج الربح في العراق لا يشبه أمازون ولا شوبيفاي. لأنه قائم على النقد، والمخاطر التشغيلية، وكلفة الفشل العالية.

  • النماذج الواقعية يجب أن تُبنى على:
  • عمولات تنفيذ لا عمولات عرض
  • إيرادات لوجستية لا إعلانات فقط
  • اشتراكات تشغيلية لا رسوم تسجيل
  • خدمات قيمة مضافة لا بيع واجهات
  • نماذج الربح الأساسية الممكنة:
  • ربح من كل طلب منفّذ
  • ربح من التخزين والتجهيز
  • ربح من خدمات التحصيل
  • ربح من أدوات الإدارة والتحليل
تنبيه

أي نموذج يعتمد فقط على عمولة البيع في العراق هو نموذج هش.

الثقة كمكوّن اقتصادي

  • الثقة في العراق ليست قيمة معنوية، بل عنصر مالي مباشر. كل نسبة فشل تسليم، كل تجربة سيئة، كل تأخير تحصيل يتحول إلى:
  • رفع تكلفة الطلب
  • تجميد رأس المال
  • انسحاب التاجر
  • رفض الزبون القادم
  • الثقة تُبنى عبر:
  • شفافية الطلب
  • سرعة التحصيل
  • وضوح السياسات
  • توحيد التجربة
في السوق العراقي، الثقة ليست علامة تجارية، بل بنية تشغيل.
مهم

أي منصة لا تمتلك نظام متابعة واضح ومحاسبة تشغيلية لن تبني اقتصادًا بل ستكرر الفوضى.

المخاطر الهيكلية للسوق

  • المخاطر في العراق ليست تقنية بقدر ما هي تشغيلية:
  • تضخم صفحات غير محترفة
  • استنزاف شركات التوصيل
  • ارتفاع نسب الإرجاع
  • غياب معايير موحدة
  • استنزاف سيولة التجار

هذه المخاطر ستؤدي إلى مرحلة تصحيح قاسية إذا لم تُدار عبر منصات حقيقية.

تحذير

السوق يتجه طبيعيًا إلى الانفجار التنظيمي. إما عبر منصات، أو عبر خسائر جماعية.

مستقبل السوق والاستراتيجية الواقعية

  • مستقبل التجارة الإلكترونية في العراق لن يُحسم بعدد التطبيقات، بل بعدد الأنظمة. من سينجح هو من يبني:
  • طبقة تشغيل وطنية
  • شبكة لوجستية مترابطة
  • نظام بيانات قابل للقياس
  • نماذج مالية واقعية
  • الاستراتيجية الواقعية للسوق العراقي تقوم على:
  • تجميع لا تفريق
  • تشغيل لا عرض
  • بيانات لا شعارات
  • اقتصاد لا صفحات
ملاحظة

العراق لا يحتاج “منافس أمازون”. يحتاج بنية تحتية تجعل ألف مشروع قابلاً للحياة.

الخلاصة الاقتصادية

اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق موجود، لكنه غير مرئي. يعمل، لكنه غير مُدار. يربح، لكنه يهدر في نفس الوقت.

السوق اليوم ليس فرصة بيع. بل فرصة بناء اقتصاد كامل من الصفر. من يفهم هذه الحقيقة مبكرًا لن يبني متجرًا، بل سيبني طبقة في اقتصاد جديد.

وهنا الفارق بين من يبيع في العراق، ومن يبني العراق الرقمي.

مشاهدة الفيديو

نقاط رئيسية

  • خلاصة تنفيذية
  • نقطة عملية
  • توصية سريعة
  • فكرة محورية
تم