اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق: قراءة مالية في سوق لم يُقاس بعد
ابحاث حيّز ابحاث حيّز
5 دقيقة قراءة 1011 كلمة

اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق: قراءة مالية في سوق لم يُقاس بعد

التجارة الإلكترونية في العراق لم تدخل بعد مرحلة الاقتصاد المُقاس، بل ما زالت تعمل داخل مساحة رمادية بين السوق التقليدي والسوق الرقمي. لا توجد حتى اليوم أرقام وطنية دقيقة عن حجم المعاملات الإ

التجارة الإلكترونية في العراق لم تدخل بعد مرحلة الاقتصاد المُقاس، بل ما زالت تعمل داخل مساحة رمادية بين السوق التقليدي والسوق الرقمي.

لا توجد حتى اليوم أرقام وطنية دقيقة عن حجم المعاملات الإلكترونية، ولا تقارير حكومية تفصل مساهمة التجارة الرقمية في الناتج المحلي، ولا نظام موحد لقياس الطلب، أو تتبع السلوك الشرائي، أو احتساب اقتصاد التوصيل والدفع عند الاستلام.

ما يوجد فعليًا هو حركة مالية ضخمة تجري خارج أي إطار إحصائي رسمي، تقودها آلاف الصفحات والمتاجر والمنصات وشركات التوصيل.

اقتصاديًا، نحن لا نتحدث عن “قطاع ناشئ”، بل عن اقتصاد ظل رقمي يعمل بكامل طاقته. تقديرات غير رسمية مبنية على بيانات شركات توصيل، مزودي دفع، ومنصات تشغيل، تشير إلى أن السوق العراقي ينفذ ما بين 180,000 إلى 300,000 طلب شهريًا عبر القنوات الرقمية، بمتوسط سلة يتراوح بين 35,000 إلى 85,000 دينار عراقي للطلب الواحد، ما يعني حركة شهرية تقريبية بين 6 إلى 18 مليار دينار عراقي، أغلبها نقدًا عند التسليم، وخارج أي نظام تحليلي وطني.

مقدمة السوق العراقي

السوق العراقي يتميز بثلاث سمات اقتصادية نادرة مجتمعة: كثافة سكانية شابة، فجوة تجزئة رقمية ضخمة، واعتماد شبه مطلق على الدفع النقدي. أكثر من 60% من السكان دون 30 سنة، نسبة انتشار الهواتف الذكية تتجاوز 75% في المدن الكبرى، بينما ما زال أقل من 10% من المعاملات التجارية تمر عبر قنوات دفع إلكتروني فعلي.

هذا التناقض خلق نموذج تجارة إلكترونية مختلف عن أي سوق آخر: طلب رقمي، تسويق اجتماعي، تشغيل يدوي، وتحصيل نقدي. هذا النموذج سمح بنمو سريع لكنه منع تكوّن اقتصاد بيانات، وألغى إمكانية القياس الدقيق للطلب، وسلوك المستهلك، ودورة المال.

ملاحظة

غياب الدفع الإلكتروني لا يعني غياب التجارة الإلكترونية، بل يعني أن الاقتصاد الرقمي يعمل دون عدّادات.

التحول الرقمي غير المقاس

التحول الرقمي في العراق لم يحدث عبر منصات وطنية أو بنية حكومية، بل عبر فيسبوك، واتساب، وتيك توك. أكثر من 70% من الطلبات الإلكترونية تبدأ من محتوى اجتماعي، وليس من مواقع أو تطبيقات تجارة إلكترونية تقليدية.

هذا خلق اقتصاد طلب غير منظم، حيث لا يوجد Funnel واضح، ولا تتبع للعميل، ولا قياس CAC أو LTV، ولا حتى تعريف واضح للـ Conversion. ماليًا، هذا يعني أن ملايين الدنانير تُنفق شهريًا على تسويق غير قابل للتحليل، وشركات توصيل تعمل بدون نماذج تنبؤ، وتجار يبنون قراراتهم على الإحساس لا على البيانات.

تنبيه

أي مستثمر لا يمتلك طبقة قياس وتحليل في العراق هو أعمى ماليًا مهما كانت المبيعات.

البنية التحتية الاقتصادية الخفية

خلف كل طلب إلكتروني في العراق توجد منظومة تشغيل كاملة غير مرئية: اتصال، تأكيد، تجهيز، تخزين، تغليف، توصيل، تحصيل، إرجاع. هذه المنظومة توظف فعليًا عشرات الآلاف بشكل مباشر وغير مباشر.

  • تقديرات تشغيلية مبنية على متوسطات شركات توصيل تشير إلى أن كل 1,000 طلب يوميًا تحتاج تقريبًا إلى:
  • 18 إلى 25 مندوب توصيل
  • 6 إلى 10 موظفي اتصال ومتابعة
  • 4 إلى 6 موظفي تجهيز وتغليف
  • بنية تخزين لا تقل عن 120 إلى 200 متر مربع
  • سيولة تشغيل يومية لتغطية التحصيلات المرتجعة قد تصل إلى 40 مليون دينار

اقتصاديًا، هذا يعني أن كل 10,000 طلب يومي في العراق تمثل شركة لوجستية كاملة، وليس مجرد متجر إلكتروني.

اقتصاد اللوجستيات والتوصيل

شركات التوصيل هي العمود الفقري الحقيقي لاقتصاد التجارة الإلكترونية العراقي. متوسط أجور التوصيل داخل المدن الكبرى يتراوح بين 4,000 إلى 7,000 دينار، وبين المحافظات قد يصل إلى 10,000–15,000 دينار.

إذا افترضنا متوسط 200,000 طلب شهريًا وبمتوسط 6,000 دينار أجور توصيل، فنحن أمام سوق لوجستي شهري يقارب 1. 2 مليار دينار عراقي، دون احتساب التخزين، التغليف، المرتجعات، أو الكول سنتر.

  • لكن هذا الاقتصاد يعاني من:
  • نسب مرتجعات تتراوح بين 20% إلى 35%
  • نسب فشل تسليم في بعض القطاعات تتجاوز 40%
  • دورة تحصيل نقدي بطيئة تربك التدفق النقدي للشركات
تحذير

أي نموذج ربح لا يبني حساباته على المرتجعات في العراق هو نموذج وهمي.

“في السوق العراقي، اللوجستيات ليست خدمة، بل هي المنتج الحقيقي. ”

البيانات كعملة مفقودة

  • لا توجد اليوم قاعدة بيانات وطنية توضح:
  • متوسط السلة حسب الفئة
  • توزيع الطلبات جغرافيًا
  • ذروة الشراء الموسمية
  • سلوك الإرجاع
  • تكلفة اكتساب العميل

غياب هذه البيانات يعني أن السوق يعمل بلا مؤشرات كلية، ولا يمكن بناء نماذج توقع، ولا جذب استثمار مؤسسي حقيقي.

أي منصة قادرة على تجميع بيانات الطلب، التوصيل، الدفع، والإرجاع، تتحول تلقائيًا من “شركة” إلى “بنية تحتية اقتصادية”.

مهم

في الأسواق غير المقاسة، من يمتلك البيانات يمتلك السوق.

نماذج الربح الحقيقية

  • الربح في التجارة الإلكترونية العراقية لا يأتي من بيع المنتج فقط. النماذج القابلة للاستدامة حاليًا هي:
  • عمولات تشغيل الطلب
  • خدمات التخزين المدفوعة
  • التغليف والعلامة البيضاء
  • إدارة التوصيل والتحصيل
  • تحليل البيانات للتجار
  • خدمات التمويل المسبق للتجار

التاجر العراقي غالبًا لا يبني هامش ربحه على المنتج، بل على سرعة الدوران وتقليل الفشل. لذلك، المنصات التي تقلل الفشل بنسبة 10% قد ترفع ربحية التاجر بنسبة تتجاوز 30%.

نصيحة

من يريد الربح في العراق، يبني أنظمة لا متاجر.

الثقة كمكوّن مالي

  • الثقة في العراق ليست عنصرًا تسويقيًا، بل عنصر تكلفة. كل طلب فاشل يعني:
  • تكلفة توصيل ضائعة
  • وقت بشري ضائع
  • فرصة بيع ضائعة
  • تآكل ثقة العميل

غياب أنظمة توثيق، تقييم، ضمان، وحماية مستهلك رقمية جعل الثقة تُدار يدويًا عبر الاتصال، لا عبر الأنظمة.

  • اقتصاديًا، بناء طبقات ثقة رقمية يقلل:
  • كلفة الطلب
  • نسب الإرجاع
  • زمن التحصيل
  • مخاطر الاحتيال

المخاطر النظامية

  • أكبر مخاطر اقتصاد التجارة الإلكترونية العراقي اليوم ليست المنافسة، بل:
  • الاعتماد المطلق على الكاش
  • غياب الإطار التنظيمي الواضح
  • هشاشة سلاسل التوريد
  • ضعف الأنظمة القانونية للمرتجعات والنزاعات
  • تضخم شركات غير منظمة

هذه المخاطر تمنع دخول رؤوس الأموال الكبيرة، وتبقي السوق في دائرة المشاريع الصغيرة عالية الاستنزاف.

تنبيه

السوق لا ينمو لأنه مربح، بل يبقى صغيرًا لأنه غير منظم.

المستقبل والاستراتيجية

  • اقتصاد التجارة الإلكترونية في العراق سيتحول من “تجارة صفحات” إلى “اقتصاد منصات”. المرحلة القادمة ستقودها كيانات تجمع:
  • الطلب
  • اللوجستيات
  • الدفع
  • البيانات
  • التمويل
  • في نظام واحد.

الفرصة ليست في فتح متجر جديد، بل في بناء طبقة تشغيل وطنية تقيس السوق لأول مرة.

“أول من يقيس السوق العراقي فعليًا، لن يشاركه فيه أحد. ”

الخلاصة التشغيلية

نحن أمام اقتصاد فعلي بمليارات الدنانير شهريًا، بلا لوحات قيادة، بلا مؤشرات، بلا نماذج كلية. هذا ليس ضعفًا، بل فرصة تاريخية. كل من يدخل اليوم بعقلية منصات، بيانات، وبنية تحتية، لا بعقلية بيع، سيكون جزءًا من تعريف هذا الاقتصاد، لا منافسته.

مهم

التجارة الإلكترونية في العراق ليست قطاعًا… بل اقتصاد ينتظر من يضع له نظامًا.

مشاهدة الفيديو

نقاط رئيسية

  • خلاصة تنفيذية
  • نقطة عملية
  • توصية سريعة
  • فكرة محورية
تم