شهد العراق خلال العقد الأخير تحولًا جوهريًا في نمط التجارة من أسواق تقليدية تعتمد على الموقع الجغرافي والوسيط البشري إلى منظومة رقمية هجينة تقودها الهواتف الذكية، وسائل التواصل الاجتماعي، وخدمات التوصيل عند الاستلام.
هذا التحول لم يكن نتيجة نضج تقني فقط، بل جاء كاستجابة مباشرة لفجوات السوق: ضعف انتشار التجزئة المنظمة، محدودية البطاقات المصرفية، وانخفاض الثقة في المعاملات غير النقدية.
النتيجة كانت ولادة نموذج تجارة إلكترونية عراقي خاص، قائم على البيع عبر المنصات الاجتماعية، الطلب عبر الرسائل، والدفع النقدي عند التسليم.
بين عامي 2016 و2025، ارتفع عدد مستخدمي الإنترنت في العراق من قرابة 13 مليون إلى أكثر من 33 مليون مستخدم، بنسبة انتشار تتجاوز 75% من السكان، مع أكثر من 29 مليون مستخدم نشط على الهواتف الذكية.
بالتوازي، قفز عدد الصفحات والمتاجر التي تبيع عبر فيسبوك وإنستغرام وتيك توك من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف.
هذا النمو السريع خلق سوقًا تقديريًا يتجاوز حجمه 3 إلى 5 مليارات دولار سنويًا إذا احتُسبت التجارة عبر السوشيال، المتاجر المحلية، والمنصات الناشئة، لكنه ما زال سوقًا غير منظم بالكامل، يفتقر إلى بنية تشغيلية موحدة.
مقدمة السوق العراقي
السوق العراقي يتميز بقاعدة استهلاكية شابة؛ أكثر من 60% من السكان تحت سن 30 عامًا، وهي الفئة الأكثر استخدامًا للهواتف الذكية والتفاعل مع المحتوى الرقمي. هذا العامل خلق بيئة مثالية لنمو التجارة الإلكترونية غير الرسمية قبل الرسمية، حيث تحولت الصفحات الشخصية إلى متاجر، والمحادثات إلى سلال شراء، وشركات التوصيل إلى العمود الفقري للتشغيل.
في 2024، قُدّر عدد الطلبات اليومية الناتجة عن البيع عبر السوشيال فقط بما بين 250 ألف إلى 600 ألف طلب يوميًا على مستوى العراق، تتركز بنسبة تقارب 45% في بغداد، و20% في محافظات الوسط، والبقية موزعة بين الشمال والجنوب. هذا الحجم لا يعكس بعد حجم منصات تجارة إلكترونية ناضجة، لكنه يعكس نشاطًا تجاريًا رقميًا واسعًا يعتمد على نماذج تشغيل بدائية نسبيًا.
السوق العراقي ليس سوق منصات بعد، بل سوق طلبات رقمية غير موحدة.
التحول الرقمي في سلوك المستهلك
المستهلك العراقي انتقل من البحث في السوق المحلي إلى البحث في الهاتف. أكثر من 70% من قرارات الشراء في المدن الكبرى تبدأ اليوم من فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك. المحتوى المرئي، البث المباشر، وتوصيات المؤثرين أصبحت أدوات بيع فعلية وليست تسويقًا فقط.
هذا التحول انعكس مباشرة على أنواع المنتجات الأكثر مبيعًا: الملابس، الإكسسوارات، مستحضرات التجميل، الأجهزة المنزلية الصغيرة، والإلكترونيات الخفيفة. متوسط قيمة الطلب في العراق يتراوح غالبًا بين 18 إلى 45 دولارًا، مع ارتفاع في الطلبات المتكررة على المنتجات الاستهلاكية سريعة الدوران.
السلوك الشرائي في العراق مبني على الثقة بالشخص والصفحة أكثر من الثقة بالمنصة.
البنية التحتية التقنية
من الناحية التقنية، البنية الأساسية التي تقوم عليها التجارة الإلكترونية في العراق ما زالت مجزأة. يوجد توسع واضح في بوابات الدفع الإلكتروني، المحافظ الرقمية، وأنظمة نقاط البيع، لكن نسبة الاعتماد الفعلي على الدفع غير النقدي في التجارة الإلكترونية لا تتجاوز 10% إلى 15% من إجمالي الطلبات.
في المقابل، نسبة الاعتماد على الدفع عند الاستلام تتجاوز 85%، ما يفرض على أي مشروع تجارة إلكترونية أو لوجستيات أن يبني أنظمته على إدارة النقد، المصالحة المالية اليومية، وتتبع التحصيل وليس فقط إدارة الطلب.
أي نموذج لا يُصمم حول الدفع النقدي في العراق هو نموذج غير واقعي.
اللوجستيات والتشغيل
اللوجستيات هي العامل الأكثر تأثيرًا في تطور التجارة الإلكترونية العراقية. بين 2018 و2025، تضاعف عدد شركات التوصيل المحلية عدة مرات، وظهرت شبكات تغطي جميع المحافظات تقريبًا. متوسط كلفة التوصيل المحلي يتراوح بين 3 إلى 7 دولارات للطلب، وقد يصل إلى أكثر في المناطق البعيدة.
تشغيليًا، التحديات الأساسية تتمثل في العناوين غير المعيارية، نسب الراجع المرتفعة التي قد تصل إلى 25% في بعض القطاعات، وصعوبة جدولة التوصيل. هذه العوامل دفعت السوق للانتقال تدريجيًا من التوصيل العشوائي إلى مراكز تجميع، مستودعات، وخدمات Fulfillment.
بدون بنية لوجستية مهنية، يتحول النمو إلى خسائر تشغيلية.
نماذج التشغيل السائدة
النموذج الأكثر انتشارًا هو نموذج التاجر الاجتماعي الذي يدير الصفحة، الطلبات، والتنسيق مع شركة التوصيل يدويًا. يليه نموذج الوسيط الذي يجمع الطلبات من عدة صفحات ويوزعها على شركات التوصيل. النموذج الثالث الناشئ هو نموذج المنصة أو مركز العمليات الذي يدمج الطلب، التخزين، والتوصيل.
- نماذج التشغيل الحالية يمكن تلخيصها كالتالي:
- بيع مباشر من الصفحة إلى شركة التوصيل.
- وسطاء طلبات يعملون كمراكز اتصال غير رسمية.
- منصات ناشئة تقدم لوحات تحكم وإدارة طلبات.
- مستودعات Fulfillment محدودة تخدم تجار متعددين.
التحول الحقيقي يبدأ عندما ينتقل التاجر من إدارة الطلب إلى إدارة النظام.
البيانات والأنظمة
حتى 2020، كان معظم النشاط التجاري الرقمي في العراق بلا بيانات. اليوم، بدأت تظهر أنظمة لإدارة الطلبات، تتبع الشحنات، وتحليل الأداء. مع ذلك، لا تزال نسبة كبيرة من التجار لا تمتلك أي لوحة مؤشرات حقيقية.
الانتقال إلى أنظمة OMS وWMS وCRM أصبح شرطًا للبقاء في سوق يزداد تنافسًا. البيانات لم تعد رفاهية، بل أداة لتقليل الراجع، تحسين التحصيل، وضبط الإنفاق الإعلاني.
من لا يملك بياناته، لا يملك تجارته.
نماذج الربح والاستدامة
نماذج الربح في التجارة الإلكترونية العراقية ما زالت بسيطة في ظاهرها لكنها معقدة تشغيليًا. الربحية لا تأتي من هامش المنتج فقط، بل من التحكم في سلسلة القيمة.
- نماذج الربح الأساسية تشمل:
- هامش البيع بالتجزئة.
- عمولات الطلبات.
- خدمات التخزين والتجهيز.
- خدمات الدفع والتحصيل.
- بيع البيانات والخدمات التقنية لاحقًا.
- زيادة عدد الطلبات دون تحسين التشغيل تخفض الربحية.
- تقليل الراجع يرفع الربح أكثر من رفع الأسعار.
- التحكم باللوجستيات يضاعف قيمة المنصة.
الربح الحقيقي في العراق تشغيلي قبل أن يكون تسويقي.
المخاطر وبناء الثقة
الثقة هي العملة الأساسية للتجارة الإلكترونية العراقية. نسب الراجع، الاحتيال البسيط، وضعف الالتزام بالمواعيد كلها عوامل تضرب ثقة المستهلك. لهذا ظهرت الحاجة إلى علامات تجارية رقمية واضحة، سياسات إرجاع، وخدمة عملاء فعلية.
بناء الثقة لا يتم بالإعلانات، بل بالعمليات اليومية: سرعة الرد، وضوح الشروط، احترام وقت المستلم، ودقة الفوترة.
أي خلل تشغيلي صغير يتحول إلى أزمة سمعة في السوق العراقي.
المستقبل والاستراتيجية
المسار القادم للتجارة الإلكترونية في العراق يتجه نحو ثلاث طبقات: منصات إدارة، بنية لوجستية وطنية، وطبقة خدمات مالية رقمية. خلال السنوات الخمس القادمة، يُتوقع تضاعف حجم السوق مرتين على الأقل مع دخول لاعبين مؤسسيين، توسع الحكومة في الدفع الإلكتروني، وتحول الشركات التقليدية إلى قنوات رقمية.
الفرصة الاستراتيجية ليست في إنشاء متجر جديد، بل في بناء البنية التي يعمل فوقها آلاف المتاجر.
من يملك البنية، يملك السوق.
العراق ينتقل من مرحلة البيع إلى مرحلة بناء الاقتصاد الرقمي.
الخلاصة التشغيلية
تطور التجارة الإلكترونية في العراق ليس قصة تطبيقات، بل قصة انتقال سوق كامل من العشوائية إلى النظام. الرابحون في المرحلة القادمة هم من يبنون منصات، مستودعات، شبكات، وأنظمة، وليس من يبيعون منتجًا فقط.
هذا السوق لا يحتاج مزيدًا من الصفحات، بل يحتاج بنية تشغيلية وطنية تُحوّل الطلب المتناثر إلى اقتصاد رقمي منظم.